المبدعة اليمنية أسيرة القيود المجتمعية
موسى العيزقي
عندما أسمع أو أرى الفنانة سهى المصري، أشعر أننا أمام صوت لا يمر فقط عبر الأذن، بل يعبر إلى طبقات أعمق من الإحساس. حضورها الفني صنع لها مساحة خاصة في الساحة اليمنية؛ صوت واثق، ممتلئ، لا يعتذر عن نفسه.
ثم أرى نموذجًا آخر من بيتنا العربية، فأجد نفسي أمام موهبة تحمل شيئًا قريبًا من ذلك الذي تحمله الفنانة أنغام؛ إحساس صادق، وملامح صوتية قادرة على الوصول، وربما لمس مناطق حساسة في الوجدان، لو أُتيح لسهى فضاء أوسع من الحرية والثقة.
وهنا الملاحظة التي قد تزعج البعض:
بعض المواهب لا ينقصها الصوت، بل ينقصها “الهامش الذي يسمح للصوت أن يكبر بلا خوف ولا حسابات إضافية”. فماذا لو أُتيحت لها نفس الحرية ووُضعت في بيئة أكثر انفتاحًا؟
لربما وجدت مساحة أوسع للتجريب والظهور…
ولربما رأينا أسماء تتجاوز حدودها الحالية بكثير، لا لأن موهبتها تغيّرت، بل لأن مناخها تغيّر فقط.
هذه الفكرة، حين نراها في المجتمعات، لا تبقى مجرد تأمل فلسفي، بل تتحول إلى واقع يومي، وإلى نمط حياة كامل، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالمرأة.
في اليمن، كما في كثير من المجتمعات المشابهة، لا تُصنع القيود دائمًا من العنف المباشر، بل من نظرة طويلة، ومن فكرة “ما الذي يُفترض أن تكونيه؟” أكثر مما هي “من أنتِ فعلًا؟”. وهنا يبدأ الصراع الصامت بين ما يمكن أن تكونه المرأة، وما يُسمح لها أن تراه في نفسها.
القضية ليست فقط في المنع المباشر، بل في الترويض الناعم؛ أن تُدفع المرأة تدريجيًا إلى تقليص حضورها، وتعديل صوتها، ومراقبة خطواتها، حتى يصبح “الاختفاء الجزئي” جزءًا من تعريفها الاجتماعي المقبول.
وفي هذا السياق، تظهر نماذج فنية وإنسانية تُشبه الشرخ في الجدار… تذكّرك أن هناك شيئًا أكبر من القوالب الجاهزة.
المقارنة هنا ليست في “التفوق الفني”، بل في “الفرصة”. أحيانًا لا ينقص المبدع شيء بقدر ما ينقصه مناخ يسمح له أن يكون كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.
قد يرى البعض أن الحديث عن الشكل، أو الزي، أو الحضور الاجتماعي، أمور ثانوية. لكنها في الحقيقة جزء من منظومة كاملة تحدد مدى الجرأة التي يمكن أن يصل إليها الإنسان في الظهور. ليست المسألة في الحجاب أو اللباس بحد ذاته، بل في اللحظة التي يتحول فيها أي اختيار شخصي إلى سقف غير معلن للإمكانات.
الخوف هنا لا يُمارس بالقوة، بل بالتوقعات. خوف من نظرة المجتمع، ومن الحكم المسبق، ومن التصنيف السريع. ومع الوقت، يتحول هذا الخوف إلى “قناعة داخلية”، فيصبح الإنسان هو من يضع لنفسه الحدود قبل أن تُفرض عليه.
المؤلم في الأمر أن هذا لا يخص الفن وحده، بل يشمل كل مساحات الحياة: الفكر، والتعبير، والاختيار، وحتى الحلم.
حين يعيش الإنسان داخل دائرة الخوف المزمن، يصبح أقرب إلى إدارة يومه فقط، لا إلى صناعة وجوده. وهذا أخطر أشكال الاستهلاك الإنساني: أن تُستنزف الطاقة في البقاء، بدل أن تُستثمر في التحقق.
ولذلك، فإن أي تجربة إبداعية تخرج من هذا السياق، حتى لو كانت بسيطة، فهي ليست مجرد عمل فني، بل محاولة لكسر هذا القيد غير المرئي.
لسنا بحاجة إلى صرخات عالية بقدر ما نحن بحاجة إلى مساحة أوسع للوجود. مساحة تسمح للمرأة أن تُخطئ، وأن تُجرّب، وأن تُرى، وأن تُسمع، دون أن تُختزل في قالب جاهز.
المجتمع الذي يخاف من حرية أفراده، ينتهي به الأمر إلى إنتاج أفراد يخافون من أنفسهم.
وما بين الخوف والحرية، لا توجد معركة خارجية فقط، بل معركة داخلية طويلة، تبدأ من سؤال بسيط لكنه خطير:
هل أنا أعيش حياتي… أم أعيش صورة متوقعة عني؟






